الشرق الأوسط الكبير: صياغة الهوية على مقاس الصهيونية بقلم: أشرف شنيف

الشرق الأوسط الكبير: صياغة الهوية على مقاس الصهيونية
بقلم: أشرف شنيف
لم تعد الأزمات الداخلية التي تعصف بمستقبل “دونالد ترامب” و”بنيامين نتنياهو” مجرد شأن محلي، بل تحولت إلى وقود لسياسات تصعيدية يمارسها الرجلان هرباً من شبح السقوط السياسي والقضائي. هذا الهروب المشترك يدفع بالعالم نحو أزمات كبرى قد تمتد آثارها لسنوات طويلة، في محاولة لإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية “نظام عالمي” متصهين لا يعبأ باستقرار الشعوب.
استنساخ التاريخ: من “الحرب الصليبية” إلى “تحرير المخلص”
إن التحالف القائم اليوم بين نتنياهو وترامب يمثل استنساخاً مشوهاً لتحالف “بوش وبلير” إبان غزو العراق؛ حيث تم تسويق الأكاذيب وتزييف الحقائق لخدمة أهداف استراتيجية غامضة في ظاهرها، استعمارية في جوهرها. وكما استدعى بوش الابن وتوني بلير لغة “الحروب الصليبية” لتبرير مغامراتهما العسكرية، يرتكز تحالف ترامب-نتنياهو اليوم على أدبيات عقائدية متطرفة تمزج بين “المسيحية الصهيونية” واليهودية السياسية وأطلق عليها ” النتن صهيو ترامبية”، تحت لافتة “تحرير المخلص” المزعومة، بهدف نهائي هو تكريس مشروع “إسرائيل الكبرى”.
“الشرق الأوسط”: مصطلحٌ لتمويع الهوية
إن مصطلح “الشرق الأوسط” ليس مجرد تسمية جغرافية، بل هو مفهوم غربي وُضع بعناية لتجريد المنطقة من هويتها “الإسلامية” و”العربية”. هذا المصطلح “بلا هوية” يسهل دمج إسرائيل في نسيج المنطقة دون الحاجة للاعتراف بعروبتها أو إسلاميتها؛ فإحياء الهوية العربية يعزل “عبرية” إسرائيل، والتمسك بالهوية الإسلامية يعزل “يهوديتها”. لذا، تم الترويج لمفهوم علماني فضفاض يسمح للاختراق الصهيوني بالمرور عبر بوابة “اللادينية”، وهو ما تطلب شيطنة الحركات الإسلامية الحقيقية، وفي المقابل، اختراق أو صناعة حركات متطرفة لتبرير قمع الهوية الأصيلة وتمرير مشاريع التحرر الزائف من القيود الأخلاقية والدينية.
ترامب: الرئيس “الرهينة” والغطاء التبشيري
في هذا المشهد، لم يكن صعود ترامب إلى السلطة صدفة، بل كان خطوة مدروسة ضمن نظام يسعى لتحويل الأجندات الصهيونية إلى واقع. ترامب، المثقل بملفات الابتزاز (مثل قضية إبستين) والافتقار للعمق السياسي، أضحى أداة طيعة يتم توجيهها بالكامل. وبينما حاول تسويق نفسه لأنصاره كـ “صانع سلام” وحامٍ للمسيحية، جاء رد الفاتيكان حازماً برفض هذه الادعاءات؛ لإدراك الكنيسة أن سلوكيات ترامب ومنهجه لا يمتان لتعاليم المسيحية بصلة، بل هو مجرد ترس في آلة “الصهيونية النفعية”.
حتمية الوعي العربي
إن المخرج الوحيد من هذا النفق المظلم يبدأ بإدراك الشعوب العربية والإسلامية لحقيقة المخططات التي يقودها اليمين المتطرف بزعامة نتنياهو. إن ما نراه اليوم من إجرام وسياسات إبادة هو الوجه القبيح لصهيونية ستنكشف أكاذيبها عاجلاً أم آجلاً، تماماً كما انكشف زيف “أسلحة الدمار الشامل” في العراق.
لقد كان إسقاط الأنظمة السابقة، بما فيها تلك التي كانت تدور في الفلك الأمريكي، مجرد “تغيير كروت” لتهيئة المسرح لواقع جديد يسيطر عليه قطب واحد يقوده اللوبي الصهيوني. إنها لعبة “أوراق محروقة” يتم التخلص منها فور انتهاء صلاحيتها، ولن يوقف هذا المسار الإجباري إلا وعي جمعي يرفض أن تكون المنطقة مجرد مختبر لتجارب الهيمنة العالمية.





