العقلانية الاستراتيجية في القرار اليمني

العقلانية الاستراتيجية في القرار اليمني
بقلم/ محمد الصالحي
أن السياسة الدولية لا تُدار بالنوايا، وإنما بالمصالح وموازين القوى والقدرة على التأثير. والتاريخ يثبت أن الدول لا تنتصر دائماً لأنها تمتلك القوة الأكبر، وإنما لأنها تعرف متى تستخدم أدواتها، وكيف تحول عناصر الضغط الواقعة عليها إلى أوراق قوة في إدارة الصراع والتفاوض.
فنجاح الدول لا يتحقق بمجرد امتلاك القوة، بل بامتلاك القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في التوقيت المناسب، وفق قراءة دقيقة للواقع، وتقدير موضوعي لموازين القوى، وحساب واعٍ للبدائل والكلفة والنتائج.
فمن أخطر الأخطاء التي وقعت فيها الدول عبر التاريخ أنها لم تخسر بسبب ضعف إمكاناتها فقط، وإنما بسبب الطريقة التي أدارت بها صراعاتها واتخذت وفقها قراراتها, فكم من دولة اندفعت وراء خيارات متهورة دفعت أثمانها باهظة، فالتهور السياسي والعسكري كثيراً ما قاد دولاً إلى الهزيمة والانهيار.
وكم من دولة أخرى امتلكت من عناصر القوة ما يكفي لحماية مصالحها، لكنها وقعت في فخ العقلانية المفرطة، فترددت في لحظات الحسم وتركت لخصومها فرصة فرض الوقائع وتغيير موازين القوى. فكان الإفراط في الحذر والرهان على حسن نية الخصوم أو على تغير الظروف دون امتلاك أدوات التأثير سبباً في خسائر لا تقل خطورة عن خسائر التهور غير المحسوب.
ومن هذا المنطلق، فإن العقلانية الاستراتيجية لا تعني تجنب المواجهة تحت أي ظرف، كما لا تعني الاندفاع نحو التصعيد دون حساب، وإنما تعني اختيار الوسيلة الأكثر قدرة على تحقيق الهدف السياسي في ضوء المعطيات القائمة. فقد يكون تجنب الصدام هو القرار الأكثر عقلانية في مرحلة معينة، وقد يصبح استخدام أدوات الردع هو الخيار الأكثر عقلانية عندما تثبت التجربة أن الوسائل السابقة لم تعد قادرة على تغيير الواقع أو حماية المصالح الوطنية..لان المشكلة في كثير من الصراعات ليست غياب الخيارات، وإنما سوء تقديرها. فالدول التي تستهين بخصومها تقع في فخ التهور، والدول التي تبالغ في الخوف من النتائج تقع في فخ الجمود، أما الدول التي توازن بين المخاطر والفرص، وتقرأ الواقع كما هو لا كما تتمنى، فهي وحدها القادرة على إنتاج قرارات استراتيجية تحمي مصالحها، وتفرض حضورها، وتغير قواعد اللعبة. كما أن القرار السياسي الناجح ليس القرار الخالي من المخاطر، لأن السياسة بطبيعتها مجال للمخاطر، وإنما هو القرار الذي تُدرس مخاطره، وتُحسب نتائجه، وتُقارن بدائله، ثم يُتخذ عندما يصبح ثمن الاستمرار في الواقع القائم أكبر من ثمن تغييره.
وبالتالي فأن القرارات الاستراتيجية لا تُبنى على لحظة واحدة، وإنما هي حصيلة قراءة متواصلة للواقع، ومراجعة للخيارات، ومقارنة بين البدائل الممكنة. وهنا يتجلى الفرق بين القرار الانفعالي والقرار الاستراتيجي. فالقرار الانفعالي تحكمه لحظة الغضب ولا ينظر إلى ما بعدها، أما القرار الاستراتيجي فينطلق من أسئلة أكثر عمقاً: ما الهدف السياسي؟ وما البدائل المتاحة؟ وما حجم المخاطر؟ وما النتائج المحتملة؟ وهل أصبحت كلفة الإبقاء على المعادلة القديمة أكبر من كلفة الانتقال إلى معادلة جديدة؟ وعندما تكون الإجابة واضحة، يصبح تغيير قواعد الاشتباك جزءاً من التفكير العقلاني، وليس خروجاً عليه. فمنطق الصراع يفرض أن استمرار الضغط من طرف واحد سيؤدي في النهاية إلى ظهور أدوات ضغط مقابلة، تعيد توزيع كلفة الصراع وتجبر الطرف الآخر على إعادة حساباته.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم القرار اليمني القائم على معادلة “الحصار بالحصار” و”التصعيد بالتصعيد” فهذا القرار، لم يكن وليد انفعال أو رد فعل عابر، وإنما جاء بعد سنوات طويلة من العدوان والحصار، وبعد تراكم واسع في الخبرة السياسية والعسكرية، وتقييم مستمر لطبيعة الصراع وأدواته، وإدراك أن استمرار المعادلة السابقة يعني بقاء طرف واحد قادراً على استخدام أدوات الضغط والإكراه دون أن يتحمل أي تكلفة مقابلة.
وكان أمام اليمن أكثر من مسار؛ إما الاستمرار في تحمل آثار الحصار أملاً في تغير مواقف العدو، أو الاكتفاء بالمسارات السياسية والدبلوماسية التي أثبتت محدودية قدرتها على إنهاء العدوان والحصار، أو البقاء في موقع رد الفعل، أو الانتقال إلى بناء معادلة جديدة تفرض على دول العدوان إعادة النظر في حساباتها..ولو اختار اليمن الوقوع في فخ العقلانية المفرطة، لبقي الحصار يتسع عاماً بعد آخر، بينما يواصل الطرف الأمريكي والإسرائيلي والسعودي الرهان على عامل الوقت، من خلال زيادة الضغوط الاقتصادية والمعيشية، واستنزاف قدرة المجتمع اليمني على الصمود، أملاً في خلق حالة من الاحتقان الداخلي تُمهد لتحقيق أهداف عجزوا عن فرضها بالقوة العسكرية. وعندها كان اليمن سيخسر زمام المبادرة، ويمنح اعدائه فرصة إعادة تشكيل المشهد بما يخدم مصالحهم الاستراتيجية..
ولهذا فإن جوهر القرار اليمني يقوم على قناعة مفادها أن الحصار، عندما يتحول إلى وسيلة لإخضاع الشعوب وكسر إرادتها، لا يمكن أن يبقى أداة أحادية الاتجاه إلى ما لا نهاية. ومن هذا المنظور، فإن معادلة “الحصار بالحصار” و”التصعيد بالتصعيد” لا تُقرأ باعتبارها مجرد خطوة تصعيدية، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل حسابات الصراع، ونقله من مرحلة يتحمل فيها طرف واحد كامل الأعباء إلى مرحلة تتوزع فيها الكلفة بين الأطراف. فالهدف من القرارات الاستراتيجية ليس دائماً تحقيق نتائج فورية، وإنما التأثير في سلوك الخصم ودفعه إلى إعادة تقييم خياراته عندما تصبح كلفة الاستمرار في سياساته أعلى من كلفة البحث عن تسوية مختلفة.
ومن هنا، فإن أي قراءة موضوعية للقرار اليمني ينبغي أن تنظر إليه باعتباره قراراً استراتيجياً جاء بعد مسار طويل من التقييم والمراجعة، وليس مجرد رد فعل على حدث آني. كما أن نجاح القرارات الاستراتيجية لا يُقاس بمدى رضا الخصوم عنها، وإنما بقدرتها على تحقيق الأهداف التي اتُّخذت من أجلها، وبمدى نجاحها في إعادة تشكيل البيئة السياسية والاستراتيجية المحيطة بها.
ولهذا فإن القرار اليمني، في جوهره، يمثل تعبيراً عن عقلانية استراتيجية ترى أن استمرار المعادلات القديمة لم يعد يخدم المصلحة الوطنية، وأن الانتقال إلى معادلة جديدة أصبح ضرورة سياسية واستراتيجية، هدفها إعادة توزيع كلفة الصراع، وإثبات أن أدوات الضغط لا يمكن أن تبقى حكراً على طرف واحد، وأن أي معادلة لا تراعي مصالح جميع الأطراف محكومة في النهاية بالفشل.
ومن هذا المنطلق، فإن العقلانية الاستراتيجية في القرار اليمني لا تعني البحث عن المواجهة لذاتها، وإنما تعني امتلاك الإرادة والقدرة على تغيير المعادلة عندما يصبح تغييرها الطريق الأقرب لحماية المصالح الوطنية وتحقيق الأهداف السياسية. ومن هنا جاء القرار باعتبار أن كلفة استمرار الوضع القائم أصبحت أعلى من كلفة تغييره.
نقلا عن صحيفة ٢٦ سبتمبر الاثنين ٢٧ صفر ١٤٤٨ هـ – 10 آب/أغسطس 2026 م، العدد 2468.





